محمد بن جرير الطبري
84
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إذ قالوا لعيسى ابن مريم : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ف " إذ " الثانية من صلة " أوحيت " . واختلفت القراء في قراءة قوله : يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين : " هل تستطيع " بالتاء " ربك " بالنصب ، بمعنى : هل تستطيع أن تسأل ربك ، وهل تستطيع أن تدعو ربك أو هل تستطيع وترى أن تدعوه ؟ وقالوا : لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك ، وإنما قالوا لعيسى : هل تستطيع أنت ذلك ؟ حدثنا ابن وكيع قال : ثنا محمد بن بشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قالت عائشة : كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة ، ولكن قالوا : يا عيسى ، هل تستطيع يستطيع ربك ؟ . حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا ابن مهدي ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة ، عن حيان بن مخارق ، عن سعيد بن جبير أنه قرأها كذلك : " هل تستطيع يستطيع ربك " وقال : تستطيع أن تسأل ربك ؟ وقال : ألا ترى أنهم مؤمنون ؟ . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق : هَلْ يَسْتَطِيعُ بالياء رَبُّكَ بمعنى أن ينزل علينا ربك ، كما يقول الرجل لصاحبه : أتستطيع أن تنهض معنا في كذا ؟ وهو يعلم أنه يستطيع ، ولكنه إنما يريد : أتنهض معنا فيه ؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك : هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزل علينا ؟ وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك : هَلْ يَسْتَطِيعُ بالياء رَبُّكَ برفع الرب ، بمعنى : هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه ؟ وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ من صلة " إذ أوحيت " ، وأن معنى الكلام : وإذ أوحيت إلى الحواريون أن آمنوا بي وبرسولي إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ فبين إذ كان ذلك كذلك ، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه ، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك ، والإقرار لله بالقدرة على كل شيء ، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار . وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاما منه لما قالوا : اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ففي استتابة الله إياهم ، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك ، واستعظام نبي الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم ، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الرب إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له : هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ أن تستكبر هذا الاستكبار . فإن ظن ظان أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم ، لأن ذلك منهم كان مسألة آية ، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذبا ، ليتقرر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها ، كما كانت مسألة قريش نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا ويفجر فجاج مكة أنهارا من سأله من مشركي قومه ، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذبي قومه ، ومسألة شعيب أن يسقط كسفا من السماء من كفار من أرسل إليهم . وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، على هذا الوجه كانت مسألتهم ، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الرب محلا أعظم من المحل الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه ، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسل ، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر . فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك ، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه ، إذا كان فقيرا أن يسأل له ربه أن يغنيه ، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها ، فأنى ذلك من مسألة الآية في شيء ؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه ، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له . وخبر الله تعالى عن القوم ينبئ بخلاف ذلك ، وذلك أنهم قالوا لعيسى ، إذ قال لهم : اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا فقد أنبأ هذا من قيلهم